السيد محمد تقي المدرسي
150
من هدى القرآن
فما معنى : تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً ؟ . إن الذي أعطى البركة للسماء هو الذي يعطي البركة للإنسان ، والبروج هي المواقع الظاهرة والمرتفعة في نفس الوقت ، وعادة ما يكون برج المدينة رمزها ، والشمس والقمر وسائر الكواكب والنجوم بروج للسماء ، والذي جعل الشمس والقمر والبروج هو صاحب البركة ، فالأولى أن نتوجه إليه دون غيره لأنه الرحمن ، فلماذا لا نعرف هذه الصفة الحميدة من صفات ربنا ؟ . [ 62 ] وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً لقد جعل الله كلا من الليل والنهار يخلف أحدهما الآخر ، فلو دام الليل لانعدم المعاش ، ولو دام النهار لانعدمت الراحة . ولكن متى يتذكر الإنسان ؟ في الليل . ومتى يحصل على النعم فيشكر الله ؟ في النهار . وكم هو جميل السياق إذ يقول : جعلنا الليل لمن أراد أن يذكر ! . فحينما تهدأ الأصوات ، وتسكن الأحياء ، فيعم الصمت حيث الناس كل أوى إلى فراش نومه ، فينبعث ضمير المؤمن حيا ليناجي ربه إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا [ المزمل : 6 ] . أما في النهار حيث ينهض الإنسان من نومه طلبا للرزق والمعاش ، لا لكي يطغى وانما ليشكر ربه ، ويصل بوظائف النعم التي وفرها له ، نجد انعكاس المعرفة الإيمانية على سلوك عباد الرحمن الذين يصوغون به شخصيتهم من خلال الإيمان العرفاني . عباد الرحمن [ 63 ] إن لعباد الرحمن الذين تتجلى أسماء الله وفي طليعتها الرَّحْمَنِ على أفئدتهم وسلوكهم صفات حسان كثيرة أبرزها : - 1 التواضع وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً فعلاقتهم من الطبيعة والناس علاقة الرحمة ، لأنهم عباد الرحمن - ولا غرابة - فقد انعكس اسم الرحمن الإلهي على شخصيتهم فصيغت بقالب هذا الإسلام المقدس ، وهذا ما يدعوهم للسير هونا على الأرض ، مشية متواضعة لا كمشية المتكبرين على العباد والمفسدين في الأرض ، ولا كمشية الأذلاء والدونية ،